ابن أبي مخرمة

638

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

كان في ابتداء أمره صيرفيا ، ثم انتقل إلى بغداد واشتغل بعلوم الأوائل ، فمهر فيها ، وبرع في الطب ، وكان الغالب عليه الفلسفة . وله نحو عشرين مؤلفا في فنون من العلم ، وهذب « كتاب أقليدس » الذي عربه حنين بن إسحاق العبادي ، ونقحه ، وأوضح منه ما كان مستعجما . وكان من أعيان عصره في الفضائل . وجرى بينه وبين أهل مذهبه أشياء أنكروها عليه في المذهب ، فرفعوه إلى رئيسهم ، فأنكر عليه مقالته ، ومنعه من دخول الهيكل ، فتاب ورجع عن ذلك ، ثم عاد مدة إلى تلك المقالة ، فمنعوه من الدخول إلى المجمع ، فخرج من حران ، فلما قدم محمد بن موسى من بلاد الروم راجعا إلى بغداد . . اجتمع به ، فرآه فاضلا فصيحا ، فاستصحبه إلى بغداد ، فأولد بها أولادا . وكان له ولد يسمى : إبراهيم ، بلغ رتبة أبيه في الفضل ، وكان من حذاق الأطباء ، ومقتدى أهل زمانه في صناعة الطب ، عالج السري الشاعر ، فأصاب العافية ، فعمل فيه أبياتا وهي : [ من الكامل ] هل للعليل سوى ابن قرّة شافي * بعد الإله وهل له من كافي أحيا لنا رسم الفلاسفة الذي * أودى وأصبح رسم طبّ عافي مثلت له قارورتي فرأى بها * ما اكتنّ بين جوانحي وشغافي يبدو له الداء الخفي كما بدا * للعين رضراض الغدير الصافي فكأنه عيسى ابن مريم ناطقا * يهب الحياة بأيسر الأوصاف ولقد بالغ في البيت الأخير بما يؤدي إلى الطغيان . وقيل : إن هذه الأبيات قالها السري في حفيده ثابت بن سنان ابن قرة ، وكان كجده طبيبا عالما نبيلا ، تقرأ عليه كتب : « بقراط » ، و « جالينوس » ، وكان فكاكا للمعاني ، وله تصنيف في التاريخ أحسن فيه ، وكان ببغداد في أيام معز الدولة بن بويه . توفي جده ثابت بن قرة المذكور سنة ثمان وثمانين ومائتين .